التعددية اللغوية في المجتمع

[quote style="1"]يدور علم اللغة الاجـتماعي حول الأهمية الاجتماعية للغة بالنسبة لمجموعـات من النـاس تتراوح بين مجــموعات اجتماعية ثقافية صغيرة تتكون من بضع مئات مـن الناس وبين أمم بأكملها. فهناك بلدان عديدة متنوعة لغويا لدرجة أنه من الشائع حتى لدى الأطفال أن يكونوا ذوي ثنائية أو تعددية لغوية. ففي الهند –مـثلا- يعترف الدستور بوجود أربع عشرة لغةً رسمية، وجميعها –باستثناء لغة السنسكريت القديمة- يتحدثها ما لا يقل عن مليونين من الناس، ويوجد في الفلبين ست لغات رسمية، وثلاث في نيجيريا …[/quote]

مفهوم التعددية اللغوية في المجتمع:

     حتى نفهم ماذا تعني التعددية اللغوية، فمن المفيد التذكير ببعض المفاهيم ذات العلاقة المباشرة بالتعددية وهي:

 القومية: وهي شعور جماعة من الناس بهوية اجتماعية مشتركة بفعل اللغة أو الدين –مثلا- حيث يعتقدون أنهم وحدة اجتماعية مختلفة عن المجموعات الأخرى.ويجب تمييزُها عن مفهوم آخر مشابه جداً، وهو الجماعة العرقية، التي تشكلُ مستوى للتنظيم الاجتمـاعي الثقافي أبسط وأصـغر وأكثر خصوصية ومحلية، وقد نجد أحيانا أنه من الصعوبة تحديد ما إذا كانت الوحدة الاجتماعية ذات قومية أو هي جماعة عرقية.

 ليس من الضروري أن يكون لكل جماعة ذات قومية إقليم مستقل وذو سيادة، فالحروب الأهلية هي كفاح تقوم به القوميات المسيطر على الأقاليم الخاصة بها فالأكراد قومية، بينما الصينيون في ماليزيا والهنود في كينيا واليهود في أوروبا جماعات عرقية.

 الأمة: هي وحدة إقليمية تخضع بأكملها أو بمعـظمها لحكم قومية معينة ذات جماعات عرقية متعددة. والأمة مختلفة عن الدولة أو الحكومة أو البلد، لإمكانية عـدم استقلال الدولة أو الحكومة أو البـلد عن السيـطرة الخارجية.

بين الحكومة والأمة:

     قد يوجد في الحـكومة أكثر من قومـية، بخلاف الأمة التي تتكون من قومية واحدة ويمكـن أن تتكـون من مجموعات عرقية متنوعة. هناك أمم بدون دول مثـل: الباسك في اسبانيا، والكيبيكيون في كندا .

  • o   أثر اللغة في القومية

     أثر اللغة في القومية أكثر دقة. فاللغة بالإضافة إلى الثقافة والدين والتاريخ، تعد إحدى المقومات الرئيسة للقومية. فاللغة ليست فقط وسيلة نقل لتاريخ القومية، ولكـنها جـزء من التـاريخ نفسه، أما الأصالة فإنها ميزة كبيرة للقومية إذا استطاعت أن يكون لها لغة خاصة بها، وأثر آخر للغة لا يقل عن الأصالة، وهو شعور أفراد قومية ما بأنهم يتحدون مع الآخرين الذين يتحدثون لغتهم نفسها، ويتباينون عن أولئك الذين لا يتحدثون لغتهم، فقد يكون الفرد ذا ثنائية لغوية ويجيد لغة ثانية، ولكنه مع ذلك يشعر بأنه ”متّحد“ مع من يتحدثون لغته الأولى و“منفصل“ عمّن يتحدثون لغته الثانية.

 مؤشر مفيد للتمييز بين جماعة ذات قومية وجماعة عرقية:

هو درجة محافظة جماعة ما على لغتها ودعمِ استخدامها، أو الاستعداد للتخلي عنها.

 o   المشاكل التي تواجه القومية:

     من الواضح أنه لدى الدول ذات التعددية اللغوية مشاكل قد لا تعرفها الدول التي تقترب من الأحـادية اللـغوية فالصعوبات في التواصل قد تقف عائقا أمام التجارة والصناعة، وقد تكون ممزقا اجتماعيا. ولكن الأكثر خطرا مـن ذلك هو أن التعددية اللغوية تعمل ضد القومية. فتطور الإحساس بالأمة أكثر صعوبة في دولة ذات تعـددية لغوية منه في دولة أحادية اللغة. وتستطيع الدول ذات التعددية اللغوية التعامل مع المشكلة بأحد أمرين:

الأول: محاولة إظهار –اختيار- لغة قومية وتشجيع قبولها ممّن ليست هي لغتهم الأم، وقد سلكت معظم البلدان تاريخيا هذا الطريق، وغالبا تُطَوِّرُ اللغةُ نفسَها حتى يتسنى لها خدمة احتياجات الدولة الحديثة.

الثاني: إظهار القومية على أساس آخر غير اللغة.

  o   مشاكل التعددية في تسيير أمور الدولة:

     إن حل مشكلة تسيير أمور الدولة في مستعمرة حديثة الاستقلال غالبا ما يخلق مشـكلة للقـومية؛ لذا فإن أحسن اختيار مباشر للغة الحكومة هي لغة المستعمر؛ فالمؤسسات والسجلات الحكومية أيام المستعمر لا زالت موجودة بلغة المستعمر، كما أن هناك مواطنين لديهم خبرة كبيرة بأعمال الحكومة يعرفون تلك اللغة. لكـن لغة المسـتعمر هي اختيار سيئ على أساس قومي. وبالنسبة لقومية استعادت لتوها إقليمها الجغرافي الخاص بها، فإن آخر لغة تريـدها كرمز وطني هي لغة الدولة التي حرمتها من حق السيطرة على أراضيها. وأحد الحلول التي تبنته أيرلندا هو إعـلان كل من اللغة القومية ولغة السلطة المخلوعة لغتين رسميتين (الأيرلندية والإنجليزية) والحـل الذي تبنته الهنـد كان مشابها لذلك، فقد أعلنت اللغة القومية المختارة (الهندية) لغة رسمـية، بينما سمحت في الواقع بإبقاء اللغة الإنجليزية لغة ثانية في الحكومة، دون أن تمنحها اعترافا دستوريا، وقد وُضِع موعدٌ نهائي للإحلال الكامل للغة الهندية بدلا من الإنجليزية، والذي اتضح فيما بعد بأنه لا يمكن الالتزام به، أمـا دولـة مالي –على سبيل المثال- فقـد استمرت باستخدام لغة المستعمر لشؤون الحكومة، بينما يجري البحث عن حل لمشكلة اللغة القومية.
أما مشكلة التعليم، فإن الحل هو استخدام لغات المجموعات العرقية المختلفة، في اللغـات التي يتـحدثها الأطفال وعليه يمكن البدء فورا في تعليم المواد الدراسية دون الانتظار حتى يتعلم الأطفال اللغة القومية، ولكن هناك وجهة نظر مفادها أن هذه الاستراتيجية قد تكون خطيرة على مسألة تنمية القومية. فإذا تلقى الأطفال تعليمهم بلغاتهم العرقية، فإنها قد تزيد في الأهمية وتصبح رموزا مضادة للقومية.

  • o   تأثير التعددية اللغوية على المجتمع اقتصاديا

     إن البلدان ذات التعددية اللغوية غير محظوظة مقـارنة بتلك ذات الأحادية اللغوية بأمور يمكن قياسها. فمثلا، هل يمكن إثبات أن البلدان ذات الأحادية اللغوية أغنى اقتصاديا من البلدان ذات التعددية اللغوية، ولإيضاح ذلك فلا بدّ من وجود قياس للرجاء الاقتصادي، كما سنحتاج أيضا لقياس درجة التنوع اللغوي بطريقة ما.

     لقد حاول العالمان فيشمن وبول أن يتقصيا هذا؛ فاختار بول إجمالي الناتج المحلي للفرد الواحد، واختار سنة 1962 م أو أقرب سـنة لها استطاع الحصول على معلومات عنها، كما اختار عـدد أفراد أكبر مجتمع للغة مقارنة بعدد السكان الكلي كمقـياس للتعـددية اللغوية، فلو افترضنا أن أكبـر جمـاعة لغـوية تكوّن 25% من مجموع سكان بلد ما، فإن هذا يعني أن النسبة المتبقية وهي 75% من السكان موزعة على مجموعات ذات لغـات مختلفة أكبرها أقل من 25% من العدد الكلي، ومن جهة أخرى، إذا كانت الجماعة الكبرى تشكل 90% من عدد السكـان، فإن هذا يترك 10% فقط لجميع المجموعات اللغوية الأخرى.
ولدى فيشمن اعتقاد جازم بأن ”الكيانات المتجانسة لغويا عادة ما تكون أكثر تطورا اقتصاديا“ ولكن من المهم عدم التسرع باستنتاج أن الدرجة الكبيرة من التعددية اللغوية تعرقل النمو الاقتصادي.

     سنكون مجحفين حقا لو نظرنا إلى التعددية اللغوية كمشكلة فقط، ويمكن اعتبار التعددية اللغوية وسيلة مفيدة بطـرق عديدة:

أولا: قد تكون التعددية اللغوية حلا مؤقتا على الأقل للصراع بين القومية وتسيير أمور الدولة؛ حيث تُستخدم لغـة المسـتعمر (لتسيير أمور الدولة) واللغة القومية (لأسباب قومية) كلغتين رسميتين للحكومة. ثانيا: في ميدان التعليم تُستخدم لغات المجموعات العرقية كوسائل للتعليم، لأسباب تسيير أمور الدولة بكفاءة، ويتم التحول لاحقا إلى التعليم باللغة القومية.

     وعلى المستوى الفردي، تخدم التعددية اللغوية المتحدثين كوسيلة للتفاعل؛ حيث تميل المجتمعات متـعددة اللغات إلى إعطاء مهام مختلفة للأشكال المختلفة من اللغة. فمثلا، قد تُستخدم لغةٌ ما لغةً للمنزل مع الأصدقاء الحميـمين بينما تستخدم لغة أخرى للتعامل مع المؤسسات الحكومية؛ تخيّل وجود صديقين يتمتعان بالثنائية اللغوية نفسها ويعملان في الحكومة معا، ولدى أحدهما نصيحتين، الأولى مبنية على وضعه الرسمي والأخـرى مبنية على صداقتهـما، فإذا قدّم النصيحة الرسمية بلغة الحكومة والنصيحة الأخوية بلغة المنزل، فإن هناك فرصة ضعيفة للخلط بين النصيحتين، ولو تم ذلك في وضع مماثل أحادي اللغة، فإنه من السهل فهم النصيحة الأخوية خطأ على أنها النصيحة الرسمية.

  • o   كيف تنشأ الأمم ذات التعددية اللغوية ؟

من المستحيل فهم التعددية اللغوية للمجتمع بشكل كامل دون فهم شيء من النماذج التاريخية التي أدت إلى وجودها، ويمكن تمييز أربعة من هذه النماذج:

1- الهجرة:

يمكن تقسيم الهجرة إلى نوعين، الأول توسع جماعة كبيرة إقليميا بالتحرك إلى مناطق مجاورة مسيطرة على مجموعات اجتماعية ثقافية أصغر، حيث سيعتنق البعض لغة وثقافة الجماعة الكبيرة، بينما يحافظ الآخرون على لغتهم وثقافتهم فيُشكلون عقبة الأمة المحكومة بالقومية الغالبة، والكتلونيون في إسبانيا خير مثال على ذلك

     ويحدث النوع الثاني للهجرة عندما ينتقل عدد قليل من الأفراد من جماعة عرقية ما إلى إقـليم تسـيطر عليه قومية أخرى، حيث يصل المهاجرون وهو يتحدثون لغاتهم الأصلية. كهجرة الصينيين والأوروبيين إلى الـولايات المتحدة نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وهجرة مواطني الكومنولث إلى بريطانيا.

2- الإمبريالية: ويندرج تحت الإمبريالية الاستعمار والضم والإمبريالية الاقتصادية، ففي الاستعمار تنتـقل قلة من الناس إلى أراضٍ جغرافية وتسيطر عليها، أما الضـم فيُمثله ابتلاع الاتحاد السـوفيتي سابقا لجمـهوريات البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا) ففي ليتوانيا مثـلا، كانت نسبـة الروس 8% من مجـموع السكان في عام 1959 م
وفي الإمبريالية الاقتصادية تأخذ لغة أجنبية طريقها إلى بلد ما دون أن تكون للقومية المصاحبة أي سيطرة سياسـية كاستخدام الإنجليزية في تايلاند، وهي البلد التي لم تكن مستعمرة لأي بلد يتحدث الإنجليزية، ولكنها حاولت رغم ذلك تدريس الإنجليزية لشريحة كبيرة من سكانها.
3- الائتلاف:وهو اتحاد مجموعة عرقية مختلفة، أو قوميات، تحت سيطرة سياسية لدولة واحدة، وقد يكون الائتلاف إجباريا أو طوعياً، وحالات الائتلاف الاختياري نادرة؛ كاتحاد دول الكانتونات في سويسرا حيث توجد أربع لغات لها مكانة رسمية هي: الألمانية والفرنسية والإيطالية والرمانش، وكان الائتلاف الاجباري بسبب الاستعمار الأوروبي في أفريقيا وآسيا، فقد رُسمت الحدود بين المستعمرات الأوروبية في آسيا وأفريقيا بشكل كبير على أسـس لا علاقة لها بالروابط العرقية للشعوب المستعمرة، ونتيجة لذلك فإن الكثير من المستعمرات قد دَمَجت جماعات اجـتماعية ثقافية ولغوية تحت لواء إدارة واحدة، والتي لم يكن لها حكومة واحدة قبـل ذلك، والتي إنْ تُركـت بمـفردها لما أصبحت جـزءاً من أمة واحدة مطلقاً، والنتيجة هي ائتلاف مجموعات ثقافية عديدة ليس لها رأي في هذه المسـألة وأحيانا قد تحاول القومية الانسحاب من هذا الائتلاف كما حدث مع بنجلاديش عنـدما انفصـلت عن باكستان وكذلك ما حدث في السودان من انفصال الجنوب عن الشمال

4- المناطق الحدودية: لا بدّ لكل دولة من حدود جغرافية محددة؛ حتى تعرف مثلا، المناطق الملتزمة بالدفاع عنها عسكريا، وأين يكون من واجبها تقديم الخدمات الحكومـية، ولكن لا تختار دائما المجموعات الاجتماعية الثقافية أماكن إقامتها من أجل تسهيل عملية رسم الحدود السياسية، ونتيجة لذلك نجد في مناطق عديدة قريبة من الحدود بين البلدان، مواطنين للدولة الأولى ولكنهم أفراد لجماعة اجتماعية ثقافية موجودة في الدولة الأخرى.

  • o   مفهوم التعددية  اللغوية الاجتماعية :

     حالة وجود لغتين مختلفتين أو أكثر في مجتمع ما بحيث تُستخدم إحداها كوسيلة اتصال والأخرى في التعليم أو في المؤسسات التابعة للدولة، أي عندما تعم ظاهرة استعمال لغتين أو أكثر مجتمعا ما، و ترتبط التعددية اللغوية الاجتماعية بالتعددية الفردية، إذ في أغلب الأحيان تتشكل التعددية الاجتماعية نتيجة وجود مجموعة أفراد متعددي اللغة.

براغوي

      براغوي بلد لا يطل على بحار ، يقع وسط أمريكا الجنوبية، ولبراغوي تاريخ ذو صبغات مختلفة يشمل الاستعمار الأوروبي ودرجات متفاوتة من الاستقلال عن اسبانيا وبلدان أمريكا الجنوبية المجاورة، وحروب مدمرة مع جيرانها.

إن جزءا من التعددية اللغوية في برعوي مرجعة الاستعمار والائتلاف الإجباري للسكان الأصليين. ولكن هناك فرق لدى براغوي يجعلها متميزة؛ فقد تبنى الأسبان لغة السكان الأصليين وهي قوراني، وكانت النتيجة أنه في عام 1950م كانت نسبة من يتحدث قوراني 95% من السكان.

إذن فأهم أمر لغوي في براغوي يشمل العلاقة بين قوراني والإسبانية، ولكن هناك مصدران آخران ثانويان للتباين اللغوي هما:

1-      هجرة الجماعة الصغيرة من المينونايتز الذين أسسوا مستعمرات تتمتع بحكم شبه ذاتي، بالإضافة إلى مهاجرين آخرين من الألمان والسلافيكيين واليابانيين.

2-             الائتلاف الإجباري لمجموعات اجتماعية ثقافية غير مندمجة من السكان الأصليين في منطقة تشاكو.

أنماط الثنائية اللغوية:

تستخدم الإسبانية لغة للحكومة، وحتى وقت قريب كانت اللغة الوحيدة المستخدمة في التعليم. ويدعي أغلب السكان في المناطق الحضارية معرفة الإسبانية كلغة ثانية، فالإحصائيان في عام 1950 تقول إن 89.1% من سكان العاصمة يعرفون الإسبانية، و 76.1% من سكان المدينة لديهم ثنائية لغوية؛ هي الإسبانية وقوراني، بخلاف الريف فنسبة من لديهم ثنائية لغوية هي 49.5% ولكن هذه النسبة مبالغ فيها لسببين:

1-             أن وسائل النقل والاتصال في براغوي عام 1950م كانت رديئة؛ وبالتالي لم يتم الوصول للمناطق المعزولة.

2-      معظم سكان المناطق الريفية الذين أخبروا موظفي الإحصاء أنهم يعرفون الإسبانية، هم في الواقع لا يعرفون أكثر من بضع كلمات منها.

وعليه فإن أقل من نصف السكان يعرفون الإسبانية حقا، وأن أقل من 40% هم بالفعل ذوو ثنائية لغوية. وفي المناطق الريفية معرفة الإسبانية وبالتالي ثنائية اللغة ستكون أقل من ذلك بكثير.

المواقف اللغوية:

     شعور الناس تجاه اللغتين عامل مهم في براغوي، ولكنه شعور متناقض، فمن جهة تقوم لغة قوراني بوظائف التوحيد والفصل – وهي وظائف الهوية المتباينة – ويبدو أن من لا يعرف قوراني من ليس من مواطني براغوي الحقيقيين، وهذا يعني إبعاد مهاجري المجموعات الصغيرة، ومن لم يندمج مع المجتمع من الهنود، ومن يتحدثون الإسبانية فقط. ويعتقد السكان أن قوراني قادرة على التعبير عن الأفكار المجردة، وأنها لغة عظيمة. بينما يعتقد السكان ممن يعيشون في المناطق الحضرية أن براغوي لن تتقدم حتى تصبح المعرفة بالإسبانية أكثر شيوعا. ويترفع ذوو الثنائية اللغوية على من لا يعرفون إلا لغة قوراني الذين يرون أنفسهم أغبياء لأنهم لا يتحدثون الإسبانية، ولدى غالبية السكان شعور مزعج بأن اللغة القورانية غير جديرة بالاحترام تماما لمجرد كونها لغة هندية.

     وفيما يخص المنزلة الاجتماعية للغتين فغوراني مطلب للأصالة ولكنها لا تحمل أي منزلة خاصة داخل الأمة، وتُستخدم الإسبانية للوظائف العليا في المجتمع. ولذا فهي تعطي منزلة اجتماعية راقية لمن يتحدثها بالإضافة إلى لغة قوراني، أما من يتحدثون الإسبانية فقط فليس لهم أي مرتبة اجتماعية على الإطلاق.

 الصراعات بين القومية وتسيير أمور الدولة في الحكومة والتعليم:

     حتى عام 1967م لم يكن هناك اعتراف بلغة رسمية إلا الإسبانية، وفي عام 1967م عُدِّل الدستور ليعترف بالإسبانية وقوراني لغتين قوميتين، والإسبانية فقط لغة رسمية؛ لهدف تسيير أمور الدولة. بسبب النقص في تطور مفردات قوراني التقنية. والآن قد مضى على استقلال بارغوي أكثر من 160 عاما ولا يُنظر لاستخدام الإسبانية على أنه تهديد للقومية. وليس هناك أي رغبة ملحة لاستخدام قوراني كلغة رسمية للحكومة.

     وفي التعليم يبدو للوهلة الأولى أن قوراني هي الخيار الأمثل كلغة تعليم، فاستخدامها سيُقوي الشعور بالقومية، لاسيما أن 95% من السكان يتحدثونها. أما واقع الأمر فإن الإسبانية كانت دائما اللغة الوحيدة للتعليم في براغوي. ولم يكن من المسموح إطلاقا استخدام قوراني في الصفوف الدراسية حتى عام 1973م فكان الأطفال يُجبرون على عدم استخدام قوراني، ليس في الصفوف الدراسية فقط، ولكن في الملاعب, وكان الجلد هو العقاب لمن يُخالف ذلك، فكانت النتيجة اكتساب بطيء للإسبانية، ومعدل كبير لعدم إكمال التعليم.

     والسبب في أن قوراني لم تُستخدم كلغة تعليم في براغوي هو:

1-             أنها لم تكن بحاجة لدعم نظام التعليم في وظيفتها القومية، فهي لغة قومية حتى قبل الاستقلال.

2-      لم ينظر إليها على أنها لغة مناسبة للمهمة النبيلة المتمثلة بتعليم أطفال الأمة، وكذلك على المستوى العملي؛ فهناك نقص في المادة التعليمية المكتوبة بالقوراني، وفي المدرسين القادرين على استخدامها.

وفي عام 1973م اتخذت الحكومة بعض الإجراءات؛ حيث بدأت وزارة التربية باستخدام منهج جديد يسمح باستخدام قوراني في التعليم الابتدائي، في سبيل تنفيذ نهج التعليم ثنائي اللغة، وإذا ثبت أن استخدامها عملي من وجهة نظر تسيير أمور الدولة، فإن الوضع في براعواي سيسير إلى الأفضل.

 هنود التشاكو

      نتيجة للائتلاف الإجباري كان هناك تعددية ثانوية في براغوي. فبراغوي تتكون من جزأين رئيسين: الجزء الشرقي ويُعرف بالشرق، والجزء الغربي ويُعرف بالتشاكو. فالتشاكو منطقة غير كثيفة السكان؛ حيث تشغل 60% من المساحة، ويسكنها 3% من سكان براغوي وهو موطن معظم الجماعات العرقية من الهنود، حيث يوجد 13 لغة في خمس مجموعات لغوية يتحدثها 24.000 نسمة، وهذا يعني أن عددا كبيرا من اللغات يتحدثها قليل من الناس، ورغم التباين اللغوي بين الهنود، فهناك ارتباط كبير بين لغاتهم. ومن الممكن لمتحدثي اللغات الأخرى فهمها بدرجات متفاوتة.

     وقد أُجبر الهنود على التخلي عن اقتصادهم التقليدي المعتمد على الصيد وقطف الثمار، بسبب النمو الزراعي والقوانين التي تحظر بيع جلود الحيوانات، فعمِل معظمهم كعمال في المزارع أو في القواعد العسكرية. ومنهم من بقي على لغة قبيلته، وتحوَّل آخرون عنها تماما.

     يتحدث الأنجاتي لغة الماسكوي، وقد اختلطوا مع هنود يتحدثون أشكالا أخرى من الماسكوي نتيجة العمل بمصانع الكيماويات، وبعد التزاوج بين هذه المجموعات كان الزواج ممن يتحدثون لغات مختلفة يستخدمون قوراني فيما بينهم ومع أطفالهم، ويعدونها لغة رفيعة، ولم يحافظ على الماسكوي إلا 250 فردا كانوا يعيشون في موقع جماعات تبشيرية.

وعلى العكس من الأنجاتي، كان التشولوبي يعتزون بلغتهم وثقافتهم، وعلى الرغم من إجبارهم على تعلم قوراني أو الإسبانية لأهداف وظيفية فقد بقيت لغتهم هي المستخدمة في المنزل. وحيث يعيش التشولوبي هناك برامج تعليمية ثنائية اللغة بلغتهم اللغة الإسبانية. كما طالب التشولوبي إزالة جميع الكلمات المقترضة من الإسبانية من النشرات الإخبارية المذاعة بلغتهم.

 هل براغوي أمة ذات تعددية عرقية، أم دولة ذات تعددية قومية؟

 من الواضح أن براغوي تميل أكثر لأن تكون أمة ذات تعددية عرقية :

1-             لها لغة قومية تتحدثها الغالبية العظمى

2-             تقوم الإسبانية بوظائف تسيير أمور الدولة، دون أن يكون لها خطر يهدد القومية

3-             يمكن أن تقوم قوراني بوظيفة التعليم

4-             لا تعد المجموعات المهاجرة خطرا يهدد وحدة الأمة

5-             الجماعات ذات الحس القومي هي جماعات ناشئة لا تشكل خطرا على الوحدة.

 الهند

      الهند أو عملاق علم اللغة الاجتماعي, واحدة من أكثر بلدان العالم في التعددية اللغوية، فلا أحد يعلم على وجه التحديد كم لغة تُتَحدث داخل حدودها، ولكن عددها بضع مئات.

     استقلت عام 1947م وكالعادة فالاستعمار والائتلاف الإجباري كانا مبعث التعددية اللغوية، وبالطبع فقد كان هناك تاريخ طويل من التعددية اللغوية في الهند حتى قبل أن تكون مستعمرة بريطانية.

     وبالطبع فليس لمئات اللغات في الهند المنزلة نفسها، فقد اختيرت اللغة الهندية كلغة قومية، وقد نصّ الدستور على ذلك، أما الإنجليزية فلم يرد ذكرها في الدستور، ولكنها في الواقع تستخدم كلغة حكومية على المستوى الفيدرالي وفي بعض الولايات. وقد ورد في الدستور أن لغات الهند 14 لغة، وتنقسم الهند لغويا إلى عائلتين لغويتين رئيستين:

1-             اللغات الهندية الآرية في الشمال

2-             اللغات الدرافيدية في الجنوب

حيث تغطي 90% من سكان الهند، وكل لغة من اللغات يتحدثها 10 ملايين نسمة أو أكثر، عدا السنسكريت فقد ضُمنت في الدستور بسبب أهميتها الدينية والثقافية لغالبية السكان وليس بسبب عدد متحدثيها. هذا بالإضافة إلى وجود 19 لغة يتحدثها مليون فرد أو أكثر و49 لغة بعدد متحدثين لا يقل عن 100.000 نسمة، أما اللغات المتبقية فهي لغات جماعات صغيرة.

أنماط ثنائية اللغة:

     تشير إحصائيات عام 1961م أن 9.7% من السكان في الهند ثنائيو اللغة، ويبدو أن هذه الإحصائيات غير دقيقة وخاصة في الجزء الشمالي الأوسط من البلاد حيث التعددية أكبر من ذلك بكثير.

     وكنقطة بداية للحديث عن أنماط التعددية اللغوية، فقد ثبت أن تصنيف اللغات وتسميتها في الهند مصدر خلاف؛ حيث أن لغة ما قد تميل لن تضمحل في لغة قريبة لها دون وجود فاصل واضح بينها. ومثال واضح على ذلك اللغة الهندية ولغة الأردو؛ حيث يشتركان في نفس النظام القواعدي والصوتي ويختلفان في نظام الكتابة، فاللغة الهندية يكتبها الهندوس بنفس حروف اللغة السنسكريتية، أما الأردو فيكتبها المسلمون بخط عربي فارسي.

     وهذا يعني أنه عندما يأتي موظف الإحصاء السكاني ليسأل مواطنا هنديا عن لغته الأم، وما هي اللغات الأخرى التي يتحدثها، فإن الإجابة ليست سهلة لأسباب:

1-             قد تكون هذه هي المرة الأولى لبعض الناس التي يحتاجون فيها للتفكير في اللغة التي يتحدثونها.

2-             عادة ما تكون الإجابة مبنية أكثر على الرغبة في الارتباط بلغة ذات منزلة عالية.

3-             أو الارتباط بلغة ليبدو محبا لوطنه.

4-             أو حتى يدعي التحالف مع جماعة عرقية محلية.

 لغة الحكومة

الحكومة الاتحادية:

     كدولة مستقلة حديثا فقد تُركت لغة المستعمر كلغة حكومة، بينما أُختيرت اللغة الهندية بسبب كثرة المتحدثين، ولكن كان هناك ثلاث مشاكل باختيار الهندية:

1-             بالرغم من كونها معروفة لدى الكثيرين وشائعة الاستخدام‘ إلا أن توزيع متحدثيها غير متساوٍ في جميع أرجاء الدولة.

2-             لقد أساء اختيارها إلى مشاعر القوميات ممن يتحدثون لغات أخرى ذات تراث أدبي مثل تراث اللغة الهندية.

3-             بمقارنتها بالإنجليزية فيبدو أن الهندية بحاجة إلى تطوير مفرداتها قبل أن تستخدم بشكل فعال كلغة حكومية.

4-      ولكن اعتبرت هذه المشاكل ممكنة الحل، ووضع موعد نهائي لإحلال اللغة الهندية مكان اللغة الإنجليزية، ولكن بسبب المعارضة المستمرة للغة الهندية في الجنوب لم يكمن من الممكن إحلالها مكان الإنجليزية.

     والصراع بين القومية وتسيير أمور الدولة فيما يخص لغة الحكومة معقد في الهند أكثر من براعوي، ففي الهند كان الشعور بأن اللغة الهندية غير جديرة بالاستخدام الرسمي أقل منه في براغوي تجاه قوراني، ومن جهة أخرى فعند استقلال براغوي كانت قوراني هي اللغة القومية بالفعل وبلا منافس، بخلاف اللغة الهندية، ولم يكن الحل عن طريق الثنائية اللغوية على المستوى الرسمي للحكومة الاتحادية حلا بدرجة كبيرة للصراعات بين القومية وتسيير أمور الدولة بقدر كونه حلا للمتطلبات القومية في البلد.

والسؤال هل اللغة الهندية مرشحة لتكون لغة قومية أم لا؟

الإحصائيات تدعم اللغة الهندية كلغة تستخدم بشكل واسع كلغة ثانية أكثر من غيرها.

 حكومات الولايات:

     لا يوجد في جميع الولايات الاتحادية ولاية ذات أحادية لغوية كاملة. وقد تُرِكَ للولايات والأراضي الاتحادية حرية اختيار اللغات الرسمية الحكومية الخاصة؛ وقد اختارت معظم الولايات لغة أغلبيتها اللغوية. ولكن البعض اختار الإنجليزية.

     ولا يخلو ترك الحريات للولايات في اختيار لغاتها وتطويرها من شيء من المغامرة؛ فقد تكون اللغة رمزا للقوميات الفرعية، كما أن قمع اللغات الإقليمية قد يسبب نقمة كبيرة.

 اللغة في التعليم

      كانت اللغة الإنجليزية هي لغة التعليم، وبعد الاستقلال اتخذت الحكومة الاتحادية موقفا تعدديا جدا فيما يخص اللغات المفترض استخدامها في التعليم؛ فيجب تعليم ثلاث لغات على المستوى الثانوي هي اللغة الإقليمية والهندية والإنجليزية. فإذا كانت لغة الإقليم هي الهندية فتُبدل بلغة أخرى.

     وتؤيد الحكومة أيضا فكرة تلقي الأطفال تعليمهم الأولى بلغاتهم الأم؛ وبالتالي تزيد لغة رابعة، ولكن فكرة توفير التعليم من خلال استخدام اللغات الأم معقدة أكثر مما يبدو، فبغض النظر عن مشكلتي تطوير وسائل التعليم وتدريب المدرسين، فإن مسألة تحديد ما هي اللغة الأم فقط هي مسألة غاية في الصعوبة. ولعل الخطر الحقيقي للقومية في التعليم لا يأتي من الأعداد الكبيرة من اللغات الهندية الأصيلة، ولكن من الإنجليزية.

 الهند أمة ذات تعددية عرقية أو دولة ذات تعددية قومية؟

     معظم اللغات الواردة في الدستور الهندي تعمل كرمز لقومية من القوميات الفرعية، وبالتالي فإن معظم اللغات الهندية المتبقية تمثل جماعات عرقية، لذا فالهند أقرب لأن تكون دولة ذات تعددية قومية، تتألف من مجموعة من قوميات متعددة الأعراق، وبالتالي سيكون هناك قلق مبرر على الاستقرار السياسي للهند، في حين يرى الكثير من المفكرين الهنود أن وحدة اللغة ليس شرطا للقومية الهندية، وبالتالي فإن الهند تبدو أقر لأن تكون أمة ذات تعددية عرقية.

قراءة في كتاب علم اللغة الاجتماعي للمجتمع لرالف فاسولد

إترك تعليق:

يجب أن تكونمسجل الدخول للتعليق.