إرهاصات البحث النصي في باب المبتدأ والخبر في كتاب سيبويه

مارس 25

النظرية السياقية[1] الحديثة وأصولها عند علماء العربية:

لقد استخدم النحاة العرب القدامى كلمة السياق بمدلولها اللغوي العام، ولم يتحدثوا عن المفهوم الاصطلاحي الذي أصبح شائعا بين علماء اللغة المحدثين.حيث إنهم لم يقتصروا على النظر في البنية اللغوية، كما لو كانت منعزلة عن ما يحيط بها من عوامل خارجية، فالمادة اللغوية عندهم هي نوع من النشاط الاجتماعي، ولم يغفلوا وظيفة اللغة في التواصل بين أبناء المجتمع، تلك الوظيفة التي ترتبط بسياق المقام.

لقد اعتمد النحاة القدامى عند تقعيد النحو على السياق الجزئي المتمثل في الشواهد الشعرية والنثرية المعزولة عن نصوصها أو المبتورة، وأغفلوا النصوص الكاملة ويبدو لي هذا منهجا صحيحاً، إذ كان هدفهم الوصول إلى الصحة النحوية إلا أنه في بعض الأحيان لا يكفي الاعتماد على السياق الجزئي؛ فقد يؤدي إلى فهم غير صحيح.

وبعد هذه المقدمة يمكننا القول إن فكرة السياق اللغوي وسياق الحال لم تكن لتمثل لدى النحاة القدامى نظرية متكاملة الصفات ، كما هي عليه الآن في الدرس اللغوي الحديثة، ومع ذلك لا يخلو الأمر من وجود إشارات متناثرة في كتبهم ولم تجمع نظرياً . لقد أدرك النحاة واللغويين ما يسمى في الدراسات الحديثة بسياق الموقف أو رعاية الموقف، و أطلقوا عليه ” الحال ” أو ” الحال المشاهدة “، وكانت لهم إسهامات واضحة فتحدثوا عن المتكلم والمخاطب (المتلقي)

     وعند تأمل آراء الخليل بن أحمد الفراهيدي تتضح لدينا أنه من أوائل النحاة الذين اعتمدوا على السياق  -اللغوي- في دراسته للنحو، كما أنه من رواد من اهتموا بعناصر سياق المقام ( المتكلم والمخاطب ) والعلاقة بينهما، وغيره مما يرتبط بالمقام.

السياق عند سيبويه:

     إن الناظر في شواهد كتب النحاة المتأخرين ومتونها – بعد سيبويه – يندهش للفرق الواضح الذي يجده بعد قراءته لكتاب إمام النحاة سيبويه، وذلك عند تطرق سيبويه لما يُعرف بالسياق بشقيه -اللغوي وسياق المقام-لقد استعان سيبويه بوصف الظروف المرافقة للكلام وأدرك أهميتها في توضيح المعنى، كتحديد العلاقة بين المتكلم والمتلقي، أو الحديث عن أسباب الكلام.

     ومراعاة السياق هو ربط الكلام بسياقه اللغوي السابق واللاحق، فاللغة ليست عملية حسابية تعتمد قواعد منطقية، لكل جملة أو كلمة من كلماتها معنى محدد، بل الكلمة الواحدة تتعدد معانيها بتعدد استخدامنا لها في حياتنا اليومية.

ويمكننا تقسيم أنوع السياق التي تطرق لها سيبويه في باب المبتدأ والخبر إلى :

1- السياق اللغوي:

     إن عزل الكلام الملفوظ عن سياقه هو بمنزلة عزله عن هواء حياته، فكم توقفت الألسن واختلفت الآراء عند إعراب شواهد قرآنية أو شعرية، وسبب ذلك أنها كانت معزولة عن سياقاتها العامة في القرآن أو الشعرية.

     لقد أولى سيبويه – رحمه الله – السياق اللغوي اهتماما عظيما وسأعمد -بعون الله- فيما يلي إلى بيان بعض عناصر السياق بشقه اللغوي عنده، مبيناً أثره في بناء تراكيبه، من حيث الحذف وعدمه، أو التقديم والتأخير.

أولاً: الحذف:

فقد استعان بالسياق اللغوي في العنصر المحذوف في بيت الشعر التالي، حيث استغنى عن تكرار كل في قول الشاعر:

أكُلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا

فقد جرَّ الشاعر كلمة (نارٍ) وتقديرنا للمحذوف (وكلَّ نارٍ)؛ لذكره في أوّل البيت، وقلة الالتباس على المخاطب.[2]

ثانياً: التقديم والتأخير:

     ولعل من السياق اللغوي النظر إلى طريقة ترتيب العناصر اللغوية داخل التركيب اللغوي وما يترتب عليه من دلالات، حيث أولى سيبويه الترتيب عناية كبيرة . ويفهم من كلامه أنّ التقديم على ضربين: ضرب يكون المقدَّم فيه على نية التأخير، وذلك إذا أبقيت المقدَّم على حكمه الإعرابي الذي كان عليه قبل التقديم، كتقديم الخبر على المبتدأ في نحو: منطلقٌ زيد. وضرب آخر لا يكون على نية التأخير، وإنما ينتقل المقدَّم من حكم إلى حكم ومن باب إلى آخر، ومثال ذلك أن صفة النكرة إذا تقدمت على الموصوف تحولت إلى الحال، وذلك قولك: هذا قائما رجلٌ. ومن ثم يقبح أيضا أن تقول: قائمٌ زيدٌ،إذا لم تجعل الخبر (وهو قائم) على نية التأخير؛ لأن حدّ الجملة الاسمية أن يتقدم ما هو بالابتداء أولى، وهو المعرفة.[3]

     كما اهتمَّ سيبويه بهدف المتكلم وغرضه في التوجيه النحوي، مما يؤثر في شكل التركيب اللغوي، فيقول: ” وأما قولهم: مَنْ ذا خيرٌ منك؛ لأنك لم ترد أن تشير أو تومئ إلى إنسان قد استبان لك فضله على المسئول فيُعَلِمَكَه، ولكنك أردت: مَنْ ذا الذي هو أفضلُ منك. فإن أومأت إلى إنسان قد استبان لك فضله عليه، فأردت أن يعلمكه نصبت خيراً منك، كما قلت: مَنْ ذا قائماً، كأنك قلت: إنما أريد أن أسألك عن هذا الذي قد صار في حالٍ قد فضلَكَ بها ” فرفع (خيرٌ منك) في قولك: (مَنْ ذا خيرٌ منك) إنما كان؛ لأن غرض المتكلم إنكار أن يكون أحدٌ خيرا منه، كقولك: (من ذا أرفعُ من الخليفة) فجعل (ذا) بمعنى (الذي)، والتقدير: (من الذي هو خيرٌ منك)، وأما نصب (خيرا منك)، فعلى إرادة المتكلم معنى الاستفهام كأنه عندما قال (من ذا خيراً منك) يستفهم عن هذا الذي صار أفضلَ منك، وينصب (خيراً منك) على الحال الذي صار فيها المسئول عنه.[4]

2- سياق الموقف ( المقام ):

     لا يختص السياق بالجانب اللساني اللغوي فحسب، بل يتـعداه إلى مســتوى آخر أكبر هو سياق المقام أو (رعاية الموقف) حيث تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود وقت أداء المنجز الكلامي. فالكلام إذا تجرّد وعُزلَ عن مقامه أصبحت احتمالاته كثيرة، ولا يتأكد أيٌّ منها إلا بحضور المقام، ف الأصل في القول – كما أظن – أن تتعدد معانيه إلى أن يثبت بالدليل خلاف ذلك.

     لقد كان لسيبويه فضل السبق في تبيين العلاقة بين محيط الحدث اللغوي وملابساته الخارجية، فقد أدرك ذلك في مسألة حذف المبتدأ وذكر خبره، حيث جاء في ” هذا باب يكون المبتدأ فيه مضمرا، ويكون المبني عليه مضمرا ” حيث يضعك سيبويه أولا في السياق[5] :” وذلك أنك رأيت صورة شخص فصار آية لك على معرفة الشخص فقلت: عبدالله وربي، كأنك قلت :ذاك عبدالله، أو هذا عبدالله، أو سمعت صوتا فعرفت صاحب الصوت فصار آية لك على معرفته فقلت : زيد وربي. أو مسست جلدا أو شممت ريحا فقلت: زيد أو المسك. أو ذقت طعاما فقلت : العسل. ولو حدّثت عن شمائل رجل، فصار آية لك على معرفته لقلت: عبدالله، كأن رجلا قال : مررت برجل راحم للمساكين بار بوالديه فقلت: فلان والله” .

      ولا شك أن هذا النص فريد من نوعه؛ لكونه النص الوحيد الذي يشرك الحواس الخمس للإنسان في عملية التواصل وبناء سياق الكلام، فالكلام عند سيبويه يتألف من عناصر لغوية وأخرى من العالم الخارجي نراها أو نسمعها أو نشمها أو نتذوقها. فبين اللغة وسياقها الاجتماعي علاقة وثيقة. ولو أمعنا النظر في كلام سيبويه – مرة أخرى –  فسنجد الكثير من خصائص السياق، وذلك حسب طبيعة الموضوع والحاجة إلى البيان والتقدير، وارتباطا بالنص السابق فإنه قد توافر لدينا الخصائص التالية:

1- المرسل : وهو المتكلم الذي رأى | سمع | شم | مس

2- الموضوع – محور الحديث –  مثل: الرؤية | الشم | المس …

3- المقام – زمان ومكان الحدث التواصلي، وكذلك الإشارات والإيماءات وتعبيرات الوجه – مثل: مس الجلد | شم الريح

4- النظام – وهي الأسلوب المستعمل –  وهي هنا أسلوب الحذف.

ومن اهتمامه ببيان الحال وما يترتب على ذلك من الحكم على العبارة بالحسن أو الإحالة الدلالية، ما جاء في قوله: ” وذلك أن رجلا من إخوانك ومعرفتِك لو أراد أن يخبركعن نفسه أو عن غيره بأمرفقال: أنا عبدُ الله منطلقا،وهو زيدٌ منطلقا، كان محالاً؛ لأنه إنما أراد أن يخبرك بالانطلاق، ولم يقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية، لأن هو وأنا علامتان للمضمر إذا علم أنّك قد عرفت من يعنى. إلا أنّ رجلاً لو كان خلفحائط، أو في موضعٍ تجهله فيه، فقلت: مَنْ أنت؟ فقال: أنا عبدُ الله منطلقا في حاجتك، كان حسنا “[6].

فقد حكم سيبويه على المنجز اللغوي (أنا عبدُ الله منطلقا) و (هو زيدٌ منطلقا) بالاستحالة – على الرغم من أنه صحيح من وجهة النظر النحوية – اعتمادا على المعنى الذي أراده المتكلم؛ فقد أراد أن يخبرك عن نفسه، فحُقَّ أن يقول (أنا منطلق) وعن غيره (هو منطلق)، ولأنك لا تذكر الضمير فتقول (أنا) أو (هو) حتى تكون معروفا، فتستغني عن قولك (عبد الله) أو (زيد). في حين حكم على التركيب نفسه (أنا عبد الله منطلقاً في حاجتك) بالحسن انطلاقا من ملابسات المقام المصاحبة للتركيب؛لأن المتكلم ينادى رجلاً خلف حائط فهو يجهله أو يجهل مكانه فمن ثَمّ أفاد قوله (أنا عبد الله) ثُمّ بيّن حاله.

     وهكذا ينظر سيبويه إلى الجملة الواحدة فيحكم عليها في موقف معين من الاستعمال بأنها خطأ وفى موقف آخر من الاستعمال بأنها صواب، وهذه الجملة لو اكتفينا بالنظرة الشكلية، هي جملة نحوية جائزة، ولكن اللغة عنده لا تنفك عن محيطات استعمالها.

2- السياق الاجتماعي :

     ويهتم سيبويه بالجانب الاجتماعي أو ما يسمى بالأفكار السياقية المتبادلة بين المتكلم والمتلقي المنتسبين إلى بيئة اجتماعية واحدة، فيقف عند تشكيل دلالة التركيب لعبارات سمعها، ثم يحللها آخذاً الجوانب المقامية والاجتماعية بين المتكلم والمتلقي بالحسبان، مثل تحليله لمعنى “ما” من قولهم: شيء ما جاء بك[7]. إذ يتضح من كلامه أن الابتداء بالنكرة “شيءٌ” التي وُصفت بـ”ما” جاز لأن المقصود : ما جاء بك إلا شيء عظيم. فحل أسلوب الإخبار المجرّد على الحصر لبيان معنى التوكيد، إذن يلمّح إلى أثر الموقف في هذا المعنى ( العلاقة الاجتماعية بين المتكلم وضيفه ) فالمتكلم يعرف تماما بحكم العلاقة أن ضيفه لا يأتيه إلا في أمر عظيم، لهذا فقوله:”شيء ما جاء بك” يعني في ضوء المقام أنك لا تأتيني إلا لأجل أمر ما، مما جعل سيبويه يحمل الكلام على معنى الحصر، ليُجيز الابتداء بالنكرة الموصوفة بـ”ما” .

     ويواصل سيبويه اهتمامه بقضايا الموقف، فيلحظ أثره، عندما ينظر في العلاقة المعجمية بين المفردات في التركيب الواحد، كأن يبيّن أصل تلك العلاقة قبل العدول عنها بسبب المقام الذي يغني، إذ يذكر أنَّ قولهم:”هذا عمرٌو، وهذه هود، وهذه تميم[8]” الأصل فيها: هذا اسم عمرٍو، وهذه سورة هود، وهذه قبيلة تميم. ولكن العربي يعْدِلُ عن ذلك، فيقيم المضاف مقام المضاف إليه اتساعا ومجازاً، ولا شك أن العدول كان وفقا لملابسات المقام، التي أدركها سيبويه بحسب تحليله، وإن لم يذكرها صراحة، فالمشار إليه تغني عنه الحال، يتضح ذلك من دلالة الإشارة المراد بها القريب”هذا” و “هذه”، ولأنَّه حاضر حذف المضاف الذي يدل على المضاف إليه، وأقيم الأخير مقامه.

     من هنا يتضح لنا أنّ الجهود النحوية التي في الكتاب تُؤكد لنا أن سيبويه في تقعيده راعى القضايا السياقية التي تتشكل منها الجملة، فبَيّن سيبويه أنه قد يُحذف من الكلام إذا دلَّ بعضه على بعض، مثل حذف المبتدأ إذا دلّت صفته عليه، وحذف الضمير العائد على المبتدأ.

دور المتلقي عند سيبويه ( والمشافهة لا تكون إلا من اثنين )[9]

     لقد كان سيبويه دائم الاستدعاء لعنصر من أهم عناصر السياق ألا وهو المتلقي ( المخاطب ) فالكلام لا يكون كلاما حتى تحصل من المتكلم على إرادة توجيه كلامه إلى غيره، ولا يعد المتكلم متكلما حقا إذا لم تحصل منه هذه الإرادة، حتى ولو تلقَّفَ كلامَه متلقي، لأن المتلقي لا يكون مستمعا بحق حتى يكون المتكلم قد ألقى إليه بما يمكن استقباله مقصودا بمضمونه به هو – أي المخاطب – أو غيره، بوصفه عنصرا مؤثرا في الموقف.

     فلقد جاء في ( هذا باب تخبر فيه عن النكرة بنكرة ) في توجيه ( ما أحد مثلك ) يقول سيبويه” وإنما حسن الإخبار عن النكرة حيث أردت أن تنفي أن يكون في مثل حاله شيء أو فوقه، لأن المخاطب قد يحتاج إلى أن تعلمه مثل هذا”[10] ثم يستطرد سيبويه في توجيهه لعدد من الأمثلة على معرفة وعلم المخاطب ومواقفه المقامية فيقول” وإذا قلت كان رجل ذاهبا، فليس في هذا شيء تعلمه كان جهله، ولو قلت: كان – رجل من آل فلان فارسا – حسُن؛ لأنه قد يحتاج إلى أن تعلمه أن ذلك في آل فلان وقد يجهله، ولو قلت: كان رجل في قوم عاقلا، لم يحسن؛ لأنه لا يستنكر أن يكون في الدنيا عاقل، وأن يكون من قوم، فعلى هذا النحو يحسُن ويقبح”[11]

خاتمة:

     لم يمارس سيبويه في كتابه دور النحوي الذي يقصر اهتمامه فقط بالمسائل اللغوية، بل كان البعد الاجتماعي والثقافي الذي يكتنف الكلام ركيزة أساسية بنى عليها الكثير من أحكامه، لذا فقد أضحى من الضروري أن نجدد النظر فيه فنربط المسائل النحوية بما يحيط بها من لفتات تثريها وتمدها بأبعادها جديدة.

المراجع:

3- الكتاب، لأبي بشر عمرو عثمان بن قنبر المعروف بسيبويه، ت. الأستاذ عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي – القاهرة، ط.3 سنة (1408هـ-1988م).


[1] سياق الكلام هو أسلوبه ومجراه، وذلك عندما تجيء الكلمة متفقة مع مجمل النص، فإذا شئت أن تفسر عبارة من نص ما، وجب عليك أن تفسرها بحسب موقعها في سياق ذلك النص.

[2] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج1،ص66

[3] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج2،ص122-127

[4] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج1،ص60-61

[5] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج2،ص130

[6] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج1،ص60-61

[7] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج1،ص329

[8] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج3،ص256

[9] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج1،ص392

[10] كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون،ج2،ص54

[11] المرجع السابق نفسه

كتبه عبدالعزيز بن عبدالله المهيوبي